أحمد ياسوف
233
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وكأننا إزاء قطيع من الحيوانات ، وهذا يزيد في الترويع والتقبيح ، وكثيرا ما شبه الكفار بالأنعام والدواب جماعات بجماعات . وعدل عن الأنف إلى الخرطوم في قوله عز وجل : سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ [ القلم : 16 ] حتى بدا للمتلقي كائن بشري بأنف كبير أكبر من الرأس ، وهذا يعني أن الكافر مهين حيواني السلوك وأن الضرب على أنفه بعد تورمه مدعاة للاستهزاء بعنجهيته الفارغة أيام الدنيا . وقرين هذا العدول عن الجبهة إلى الناصية في قوله عز وجل : كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [ العلق : 15 ] ، لأن الناصية تختص بالدواب عموما قال عز وجل : إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها [ هود : 56 ] ففي لصوقها بالوجه البشري إذلال للكافر وامتهان وتحقير ، فهو كالبهيمة يضرب على ناصيته تذكيرا بأنه عقله القريب من الناصية لم يعمل للخير . وهكذا نجد أن القرآن الكريم ينفي عن المشركين صفة التفكير عندما يقرنهم بالجماد ، فهناك عملية تحنيط وتجميد لهم ، ويأتي الحيوان في الدرجة الثانية من تدرّج المخلوقات ، لأنه يتسم بالحركة فالقرآن باستخدام الحيوان يبث الحركة في الكفرة ، وهي حركة ذميمة ، لأنها تؤكد تسلّط الغرائز ، وكل ذلك لأجل توصيل صورة القبيح في أسمى أشكال التأثير . فالناصية وشرب الماء كالحيوان من الماء المغلي ، والخرطوم الدال على هبوط بآدمية المفتون الشرير إلى دونية البهائم والسباع « 1 » التي كان يعيش عيشتها في الدنيا ، إذن فدخول الحيوان سياق الصورة البصرية يؤكد فاعلية الكافر إلى جانب ماهيته ، لأن الحيوان حكى حركته النفسية والجسمية .
--> ( 1 ) انظر : التفسير البياني ، د . عائشة عبد الرحمن : 2 / 63 .